السيد الطباطبائي ( تعريب : الشيخ السبحاني )
111
أصول الفلسفة
ينهدم بناء المنطق الجامد حيث يدور رحاه على تسلّم الإطلاق والكلّية والثبات والدوام في المفاهيم والقضايا ، فالمنطق الدائر بين الإلهيين يصرّح بهذه الأوصاف ويحلّل القضايا على أساس ثبات التفكير ودوامه . عود إلى بدء : هذه الأُصول الماضية المرضية عند المادّيين ألجأهم إلى إبداع قول في حقيقة الإدراك ، لا يقصر عن قول المثاليّين بل يتحد معه مآلًا ، وإن كان المادّيون يصرّحون بالاختلاف عن الاتجاه المثالي والتنفّر عن آرائهم ، وما زالت تنتشر دعاياتهم اليومية حول إحراز الحقائق ورفع الستار عنها ، ولكنّهم في غفلة ممّا يترتّب على هذه الأُصول التي أخذها حقائق راهنة من المفاسد والأغلاط ، ودونك بيانها : يقول المادّي في حقيقة الادراك ، إنّه أثر مادّي يتولّد في مركز الإدراك ، من تفاعل المادّة الخارجية والمادّة الدماغية ، فعند ذاك الإدراك الذي هو الأثر الحاصل من التفاعل ، أمر ثالث لا يعادل المادّة الخارجية ولا المادّة الدماغية ، بل هو وليدة المادّتين ولا يعادل ولا يساوي الولد كل واحد من الوالدين ، فلو لاحظت المادّة الخارجية ، فالمعلوم لنا غيرها ولو لاحظت الأعصاب والمدارك الفكرية ، فالحاصل عندنا أمر مغائر لها فالذي يسمّيه المادّي بالعلم والتفكّر ، أمر ثالث مبائن ، يحصل من تفاعل المادّتين وانفعالهما . هب أنّ كل ما ذكره المادّي وما شاد من البنيان وفرَّع عليه من الفروع أمر صحيح لا غموض فيه ، غير أنّا نتكلّم في هذه الجملة الدارجة في ألسنتهم ورسائلهم ، من أنّ حقيقة العلم ، وواقعية التفكير ، هي الأثر المادّي الحاصل في الأعصاب من تفاعل المادّتين وانفعالهما ، وهو في الحقيقة غير